محمود سالم محمد
74
المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي
إن المديح النبوي على عهد الرسول الكريم صلّى اللّه عليه وسلّم تنوع وتباينت دوافعه ومنطلقاته ، فشعراء مدحوا الرسول الكريم ، ولم يكونوا قد التقوه من قبل ، ولم يعرفوا الكثير عن الإسلام ، فمدحوه على طريقتهم المعروفة بينهم مدح سيد عظيم ، ولم يتطرقوا إلى صفته الأولى ، وهي الصفة الدينية والنبوة ، ومثل هؤلاء الشعراء الذين سمعوا عنه صلّى اللّه عليه وسلّم فجاؤوا إليه يطلبون رفده ، أو شعراء المسلمين الذين اتبعوا طريقتهم التقليدية في مدح العظماء ، ليتلاءم مدحهم مع الشعر الذي يهاجم المسلمين والإسلام ، ومع البيئة التي يودّون أن ينتشر شعرهم فيها ، وهي الجزيرة العربية كلها ، فلم يكونوا يريدون لشعرهم أن يبقى حبيسا في المدينة المنوّرة ، ولا يتوجه لأهلها فقط ، وإلّا لكان لمدحهم طابع آخر ، هو الطابع الديني الإسلامي الذي برز عند الشعراء المسلمين ، والذي اقتضته مكانة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الدينية ، وصفاته وسلوكه وأعماله ، فظهر في شعرهم الذي مدحوا به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم تأثرهم بالإسلام ومفاهيمه ، يمزجون بين المفاهيم الجديدة ، وبين ما كانوا عليه من فن المديح ، حتى إذا تشربت نفوسهم بتعاليم الإسلام الحنيف ، واستقر في روعهم الإيمان به ، وجدنا عندهم مديحا للنبي الكريم خالصا في توجهه الديني ، وفي تأثره بالمعاني الدينية والتعبير القرآني . وهذا التردد في الاستجابة للمفاهيم الدينية وإظهارها في الشعر الذي مدح به النبي الأمين أمر طبيعي ، فكل غرض فني ، وكل طريقة أداء أدبية جديدة ، تحتاج إلى وقت مناسب لتنضج وتستقر وتظهر في صورة ثابتة معروفة ، لأن الإبداع الفني يمر في ثلاث مراحل هي الانفعال النفسي بالتجربة الجديدة ، ثم استبطان هذا الانفعال داخل النفس ، وتفاعله مع مكوّناتها ، وبعد ذلك ترتد هذه التجربة إلى خارج النفس على هيئة إبداع فني . ولم تكن مدة البعثة كافية تماما لتتم هذه العملية في نفوس الشعراء جميعا .